![]() |
| بقلم:فاروق الغمراوي |
من يوم اللي حصل قدام المراية… وأنا مبقتش أعرف أنام.
كل ما أغمض عيني أحس إن فيه حد بيتابعني من جوه دماغي.
مش بيراقب أفعالي…
لا.
بيراقب أفكاري قبل ما أفكرها.
بقيت أفضل صاحي للفجر… قاعد في الصالة… مستني أي غلطة من العالم حواليّا.
أي شرخ.
أي دليل يثبت إني مش مجنون.
لكن اللي حصل بعد كده كان أسوأ.
لأن العالم ما اتشقش…
العالم بدأ يتقفل بإحكام.
أمي بقت تعرف أنا هقول إيه قبل ما أتكلم.
أخويا يرد على السؤال قبل ما أسأله.
التليفزيون يجيب نفس الجملة اللي بفكر فيها.
حتى الناس في الشارع…
ابتساماتهم بقت شبه بعض.
نفس الضحكة القصيرة.
نفس هزة الراس.
نفس النبرة.
كأن القاهرة كلها بتعيد مشهد محفوظ.
وفي يوم…
كنت قاعد على السفرة.
أمي بتحط الأكل.
أخويا بيتفرج على الماتش.
المذيع بيزعق.
المروحة بتلف.
مشهد طبيعي جدًا…
لدرجة إنه بقى مرعب.
بصيت لأمي فجأة وقلت:
“هو أنا وأنا صغير… كنت شقي؟”
سكتت.
ثانية واحدة بس.
لكنها كانت ثانية غريبة.
كأنها بتدور على إجابة مش فاكرة نصها.
ثم ابتسمت وقالت:
“لأ… إنت كنت مطيع جدًا.”
الجملة عدت عادي.
لكن عقلي وقف عند كلمة: “مطيع.”
مش “طيب”.
مش “هادئ”.
مطيع.
كأنها بتتكلم عن كلب متدرب.
أو…
حاجة تم ترويضها.
فضلت باصصلها.
هي لاحظت.
ارتبكت للحظة.
وبعدين رجعت تاكل عادي جدًا.
لكن لأول مرة آخد بالي…
إن أمي عمرها ما حكتلي موقف واحد حقيقي من طفولتي.
ولا أي حد في البيت.
كل الذكريات عندهم عامة ومكررة: “كنت هادي.” “كنت مؤدب.” “ماكنتش بتتعبنا.”
مفيش تفاصيل.
مفيش حياة.
كأن طفولتي ملف اتمسح منه المحتوى.
قومت من على السفرة من غير كلمة.
دخلت أوضتي.
قفلت الباب.
وفتحت الدولاب القديم.
الدولاب اللي أمي كانت تمنعني ألمسه وأنا صغير.
فضلت أطلع كراتين وصور وورق قديم…
لحد ما لقيت شريط كاسيت متغلف بقماش أسود.
ماكانش عليه اسم.
ولا تاريخ.
حطيته في الكاسيت القديم بالعافية.
في الأول كان فيه تشويش.
ثم…
صوت.
صوت راجل عجوز.
هادئ جدًا.
لكن فيه حاجة تخوف.
قال:
“المرحلة الأولى نجحت… الشخصية استقرت.”
اتجمدت.
الصوت كمل:
“المضيف بدأ يصدق إنه إنسان بشكل كامل.”
نفسي اتقطع.
إيديا تلجت.
وبعدين سمعت صوت تاني…
صوت أمي.
لكن أصغر سنًا.
كانت بتقول:
“هو بدأ يسأل كتير مؤخرًا.”
الرجل رد بهدوء:
“الخوف هيكفي دلوقتي… ولو ماكفاش… نفكره تاني بمكانه الحقيقي.”
وقفت الكاسيت فورًا.
قلبي كان هيقف.
بصيت ناحية الباب.
حسيت إن فيه حد واقف وراه.
مش بيتنصت…
لا.
مستني.
ببطء قربت من الباب.
وحطيت ودني عليه.
الصالة كانت ساكتة.
لكن بعد ثواني…
سمعت صوت أمي.
كانت بتضحك.
ضحكة قصيرة جدًا.
ثم قالت لأخويا:
“واضح إنه بدأ يفتكر.”
وساعتها فقط…
فهمت إن كل حاجة حواليا كانت مسرحية طويلة.
وإن دوري فيها…
كان مكتوب من قبل ما أتولد.

