في التاسعة والأربعين اكتشفت أنني لم أكن إنسانًا

0

سلسلة مقالات ادبيه بقلم:فاروق الغمراوي
المقال رقم ١

 


الساعة كانت داخلة على اتنين بعد نص الليل.

الشقة ساكتة بشكل غريب… السكون اللي يخليك تسمع صوت التلاجة كأنه أنين واحد مدفون تحت البلاط.

كنت قاعد لوحدي في الصالة… نفس الكنبة… نفس اللمبة الصفراء… نفس الروتين اللي عشته تقريبًا كل يوم من أربعين سنة.

أمي نايمة.

أخويا نايم.

حتى القط كان نايم.

ويمكن دي أول مرة آخد بالي إن البيت كله بينام في توقيت واحد… وبيصحى في توقيت واحد… وبيضحك في توقيت واحد… كأن حد بيقلب صفحات يوم محفوظ مسبقًا.

كنت ببص للمروحة وهي بتلف.

لفة…

ورا لفة…

ورا لفة…

وفجأة… حسيت بحاجة غريبة.

إحساس مرعب.

كأن فيه فكرة دخلت دماغي مش مني.

“إنت متراقب.”

ضحكت ساعتها.

ضحكة قصيرة باهتة… ضحكة واحد مرهق من الشغل والضغط وقلة النوم.

لكن الإحساس ما راحش.

بالعكس…

زاد.

قومت ناحية المراية اللي جنب السفرة.

بصيت لنفسي.

وشي عادي.

شعري الأبيض المعتاد.

التجاعيد اللي حوالين عيني.

لكن…

فيه حاجة كانت غلط.

غلط جدًا.

أول مرة أحس إن ملامحي متعلقة على وشي… مش طالعة مني.

كأن حد رسم تعبيراتي وحطها فوق جلدي.

مديت إيدي ألمس خدي…

وفي اللحظة دي سمعت الصوت.

صوت هادي جدًا.

قديم جدًا.

“أخيرًا صحيت.”

اتجمدت مكاني.

لفيت بسرعة.

مفيش حد.

الصالة فاضية.

رجعت أبص للمراية تاني…

وهنا حصلت الكارثة.

اللي في المراية اتأخر نص ثانية.

مجرد نص ثانية…

بس كانت كفاية تهد حياة كاملة.

نفسي اتسحبت.

رجلي بردت.

قلبي بقى يدق كأنه بيخبط من جوه عايز يهرب.

أنا اتحركت…

وهو اتحرك بعدي.

أنا رمشت…

وهو رمش متأخر.

رجعت لورا بخوف.

وفي اللحظة دي…

ابتسم.

مش أنا اللي ابتسمت.

هو.

النسخة اللي جوا المراية.

ابتسم وبصلي بنظرة شفقة.

وقال:

“تسعة وأربعين سنة… ولسه فاكر إن اختياراتك كانت بإيدك.”

وقعت على الأرض.

حاسس إن الشقة بتلف.

كل الذكريات بدأت تعدي في دماغي بسرعة مخيفة: أول يوم مدرسة… أول مرة حبيت… أول مرة اتضربت من أبويا… أول مرة حسيت بالذنب… أول مرة خفت…

وفجأة…

كل الذكريات بقت باينة كأنها مشاهد مكتوبة.

مش عشوائية.

ولا طبيعية.

مصنوعة.

متصممة.

حتى انهياراتي النفسية كان ليها توقيت مثالي.

حتى اختياراتي الغلط كانت ماشية على سكة مرسومة.

سمعت الصوت تاني.

لكن المرة دي كان أقرب.

“إوعى تفتكر إنهم كانوا بيربوك… هم كانوا بيجهزوك.”

بصيت حواليا برعب.

الصور العائلية المعلقة على الحيطان بدأت تخوفني.

كل صورة كانت عاملة نفس الابتسامة.

نفس الوقفة.

نفس العيون.

كأنهم مش عيلة…

كأنهم فرقة تمثيل حافظين أدوارهم.

قومت بالعافية.

جريت ناحية أوضة أمي.

فتحت الباب بعنف.

كانت نايمة.

هادية جدًا.

بصيتلها بخوف.

لأول مرة في حياتي… ماحسّتش إنها أمي.

حسّيت إنها حاجة تانية…

حاجة لابسة شكل أمي.

وفجأة فتحت عينيها.

ببطء.

بهدوء مرعب.

بصتلي للحظات طويلة…

ثم قالت بصوت واطي:

“كنت عارفة إن الليلة دي هتيجي.”

اتسمرت مكاني.

قالت وهي لسه باصة في عيني:

“إحنا تعبنا جدًا عشان تفضل زي ما إنت… ما تبوظش كل حاجة دلوقتي.”

في اللحظة دي…

حسيت إن الجملة دي عمرها ما كانت جملة أم لابنها.

كانت أقرب لتحذير…

أو أمر…

أو تعليمات خرجت من حد أعلى.

رجعت لورا وأنا حاسس إن الهوا تقل.

وبعدين…

لأول مرة في حياتي…

بدأت أشك إن البيت كله معمول عشاني.

وإن حياتي…

مش حياتي.


إرسال تعليق

0 تعليقات
* Please Don't Spam Here. All the Comments are Reviewed by Admin.
إرسال تعليق (0)

#buttons=( أقبل ! ) #days=(20)

يستخدم موقعنا ملفات تعريف الارتباط لتعزيز تجربتك. لمعرفة المزيد
Accept !