العائلة التي كانت تكتبني مقال ٣

0

 

بقلم :فاروق الغمراوي

غرفة التحكم

من ساعتها وأنا بقيت أخاف أنام.

النوم بقى أقرب لكمين.

كل مرة أغيب فيها عن الوعي… أصحى حاسس إن حاجة اتغيرت جوايا.

فكرة اتزرعت.

ذكرى اتحركت من مكانها.

إحساس اتمسح واتبدل بواحد تاني.

وبدأت أعمل حاجة عمري ما عملتها…

أراقبهم.

مش كعيلة.

كمجموعة شغالة ضدي.

أمي.

أخويا.

خالتي اللي بتيجي كل أسبوع بنفس المعاد.

حتى الجيران.

كنت أقعد ساكت وأتابع التفاصيل الصغيرة.

وأول حاجة اكتشفتها…

إنهم نادرًا جدًا بيتفاجئوا.

كأن كل حاجة متوقعة بالنسبة لهم.

مرة وقعت مني كباية إزاز واتكسرت.

قبل حتى ما تقع بالكامل… أمي كانت جايبة المقشة.

مرة سألت أخويا فجأة: “لو اختفيت يوم… هتعملوا إيه؟”

رد بسرعة: “إنت مش هتختفي.”

الطريقة اللي قالها بيها خوفتني.

ماكانش بيواسيني.

كان… متأكد.

وفي ليلة…

قررت أعمل اختبار.

أول اختبار حقيقي.

خرجت من البيت من غير ما أقول لحد.

مشيت عكس طريقي المعتاد.

غيرت الشوارع.

لفيت كتير.

وأنا ماشي كنت حاسس بتوتر غريب… كأن المدينة نفسها متضايقة إني خرجت عن المسار.

الوجوه بدأت تبصلي.

مش كلها.

لكن كفاية تخليني أحس إني مرصود.

دخلت قهوة عمري ما دخلتها.

قعدت في آخر ركن.

طلبت شاي.

فضلت ساكت حوالي ساعة.

ثم…

الجرسون قرب مني.

حط الشاي.

وهو ماشي قال بهدوء:

“الرجوع دلوقتي أفضل.”

بصيتله بسرعة.

لكنه كان بيتعامل طبيعي جدًا.

كأن ماحصلش حاجة.

قومت من مكاني.

خرجت بسرعة.

الهوا كان تقيل.

والشارع أضيق من الطبيعي.

أقسم بالله… نفس الشارع اللي بمشي فيه من سنين كان شكله مختلف.

كأن المدينة بتعيد ترتيب نفسها.

وأنا ماشي…

شفت حاجة خلت الدم يهرب من جسمي.

راجل واقف على الناحية التانية من الشارع.

لابس بدلة سودة قديمة.

وبيضحك.

لكن المرعب مش الضحكة…

المرعب إني عرفته فورًا.

مع إني عمري ما شفته.

كان نفس الراجل اللي صوته في الكاسيت.

وقف يبصلي بثبات.

ثم رفع إيده بإشارة بسيطة…

تعالى.

رجلي اتحركت لوحدها.

وأنا بقرب منه حسيت إن الدنيا حواليّا بتسكت.

صوت العربيات اختفى.

الناس اختفت.

حتى الهوا وقف.

لحد ما بقيت واقف قدامه.

قريب جدًا.

عينه كانت غريبة.

واسعة بشكل مش مريح.

كأن جوهها عمق أقدم من البشر.

ابتسم وقال:

“أخيرًا خرجت من النص المكتوب.”

حاولت أتكلم… ماعرفتش.

هو كمل:

“عارف إيه الفرق بين الإنسان الحقيقي… والنسخة المصنوعة؟”

سكت شوية.

ثم قرب مني وقال:

“الحقيقي بيختار… حتى لو اختياره هيوديه للهلاك.”

حسيت برعشة في ضهري.

سألته بصوت مهزوز: “إنت مين؟”

ابتسم أكتر.

وقال:

“أنا اللي افتكرتك قبل ما ينسوك نفسك.”

وفجأة…

كل أعمدة النور في الشارع طفت مرة واحدة.

الظلام بلع المكان.

ولما النور رجع بعد ثانيتين…

الراجل اختفى.

لكن قبل ما أمشي…

اكتشفت إنه سايبلي حاجة على الأرض.

خيط.

خيط أسود طويل.

وفي آخره…

كان فيه قطعة خشب صغيرة متوصلة كأنها جزء من دمية قديمة.

إرسال تعليق

0 تعليقات
* Please Don't Spam Here. All the Comments are Reviewed by Admin.
إرسال تعليق (0)

#buttons=( أقبل ! ) #days=(20)

يستخدم موقعنا ملفات تعريف الارتباط لتعزيز تجربتك. لمعرفة المزيد
Accept !