عصيان في المربع الضيق

0

 
عصيان في المربع الضيق 




الساعة الرابعة والنصف فجرًا. الوقت ده من الليل عامل زي سكينة تَلْمة؛ ما بتدبحش بسرعة، لكنها تفضل تحفر في العضم على مهل.

الشقة مجرد مربع ضيق؛ أربع حيطان وصالة صغيرة، كأن حتى الهوا بيرفض يدخل الرئة. كنت قاعد على طرف السرير، جسمي مهدود من السخونية، وعظامي كأنها اتفرمت في خلاط. فجأة، انكسر صمت الفجر على صوت الفتيل وهو بيفرقع. نوبة الزهايمر المعتادة... لكن المرة دي كانت أشد، وأقسى من أي مرة فاتت.

أمي ما بقتش أمي. العينين اللي كانت زمان تطبطب عليّ، بقت عينين واحدة غريبة، شايفاني عدو أو سجّان. تصرخ: "عايزة أروح!" وتخبط في كل حاجة حواليها، وتشتكيني للحيطان، وللشبابيك المقفولة، وللشارع اللي نايم برّه. الشتائم تخرج مرة، والدعوات السودا مرة، وكأن المرض ما سابش فيها غير الخوف والغضب. فجأة يطير التليفون في الهوا، ويستقر في صدري.

المرض ده ما بيعرفش معروف، ولا بيحترم عشرة، ولا بيحفظ ذكرى. أنت واقف قدام إنسان مرعوب، مقتنع إنك السبب في كل وجعه، وإنه لازم يهرب منك.

الغضب كان بيغلي في دمي. والعجز، لما يزيد عن احتماله، بيتحول لجنون. وفي لحظة غابت فيها الحكمة، ارتفعت إيدي... ونزل قلم على الوش اللي كان المفروض أبوسه كل يوم. ما كانش قلم تأديب، ولا محاولة لإسكاتها. كان صرخة يأس مني أنا، وإعلان هزيمة كاملة، كأن آخر حتة صبر جوايا اتكسرت.

لكن حتى القلم ما غيّرش حاجة. المريض ما بيفهمش العقاب، ولا يستوعب الذنب. فضلت تنادي على أمها اللي ماتت من عشرات السنين، وأنا واقف في نص الأوضة، حاسس إني أحقر إنسان على وش الأرض.

دخلت المطبخ، وإيدي بترتعش وأنا بحضر البراد. صبيت الشاي في الكوبايات، وعملت ساندوتش جبنة، وولعت سيجارتين. رجعت الأوضة بخطوات هادية، خطوات واحد داخل يعترف بجريمة. حطيت الصينية قدامها. أخدت السيجارة، شربت الشاي، وهديت... كأن اللي حصل من دقائق ما حصلش أصلًا.

الهدوء ده ما كانش يطمني. كان هدوء يشبه السكون اللي بيسبق صوت الرصاصة. قعدت في الصالة، ضهري للحائط، وسماعة التليفون في ودني، بحاول أعزل نفسي عن الصدى اللي لسه بيرن جوا دماغي. الجيران نايمين... أو يمكن عاملين نفسهم نايمين. محدش يعرف النار اللي بتاكل أرواح اللي عايشين جوه المربع الضيق ده.

بدأت خيوط الشمس تتسلل من بين ضلوع الشبابيك. النور لمس الأرض، والنوبة بدأت تنكسر. الجسد المريض استسلم للنوم، أما أنا... أنا الوحيد اللي فضل صاحي. صاحي، وعاقل، ومحبوس جوه كابوسه، مستني الليل الجاي، ومستني نوبة جديدة، يمكن تكون أشرس من اللي قبلها.

#زهايمرات_امي
#عصيان #الضيق








التصنيفات:

إرسال تعليق

0 تعليقات
* Please Don't Spam Here. All the Comments are Reviewed by Admin.
إرسال تعليق (0)

#buttons=( أقبل ! ) #days=(20)

يستخدم موقعنا ملفات تعريف الارتباط لتعزيز تجربتك. لمعرفة المزيد
Accept !